يخطئ من يظن أن اغتيال بيناظير بوتو هو حدث عابر في تاريخ
الباكستان، هذا الكيان المصطنع بريطانياً من أجل دق إسفين في وسط آسيا منعاً من
تطور المنطقة وشوكة في حلق الهند ذات المستقبل الواعد في تحولها إلى قوة عظمى يستهل
بها القرن المقبل بحوار الصين وروسيا...
لطالما كانت بوتو وأسرتها واحدة من أكبر الأسر عمالة للغرب،
والأسرة التي رهنت البلاد إلى الأبد من خلال مسيرتها السياسية بيد بريطانيا من جهة
وحليفتها الأميركية من جهة أخرى
يخفى على الكثيرين الدور الذي لعبته الباكستان ومصر وإسرائيل
والسعودية في إذلال الجيش الأحمر فالعقيدة الإسلامية التي تبنتها الدول الإسلامية
المذكورة غذت المجاهدين الأفغان ودفعتهم إلى دحر المحتل السوفييتي إبان الحرب
الباردة التي غدتها ومولتها الحكومة الأمريكية لاستنزاف عدوها اللدود الاتحاد
السوفيتي إبان الحرب الباردة، إلا أن الانسحاب الأمريكي المبكر من الجبهة الأفغانية
حمل قوى متطرفة كالطالبان إلى الوصول إلى السلطة في أفغانستان ومهما كنا مؤمنين
بهمجية الطالبان ورجعيتهم وتخلفهم إلا أنهم قدموا للأفغان ما لم ولن تستطيع قوات
التحالف اليوم تقديمه، فإنجازات الطالبان وإن كانت ديكتاتورية إلا أنها تجلت في
الأمن بالدرجة الأولى كما كانت جهودهم مشكورة في محاربة المخدرات التي تدفقت على
العالم كالطوفان بعد سقوطهم، لم يكن يتوقع الحلفاء أن أفغانستان ستكون نفس المستنقع
والمقبرة التي خلقوها للسوفييت حفروها لهم ووقعوا فيها، وإذ كانت روسيا اليوم تبتسم
لما يناله اليوم جنود التحالف من أذية على أيدي المجاهدين أنفسهم الذين حاربوها
وتقف باطمئنان أن الأمور لن تستقر هناك طالما يمول الروس من خلال الإيرانيين
المقاومين الأفغان في تلك الثرى...
بالعودة إلى بيناظير، فإن أبعاد اغتيالها أكبر وأعمق من أن يكون
اغتيالاً سياسياً عابراً بل هو رسم لمستقبل المنطقة في ظل أسرة حافظت على علاقات
متزنة مع الهند الجارة القوية والعدو اللدود للباكستان! لنرجع إلى حقبة الجنرال
ضياء الحق الذي أعدم علي بوتو والد بيناظير ومهندس استقلال الباكستان وصديق جواهر
لال نهرو بطل استقلال الهند بالعودة لضياء الحق فهو الذي هندس عدة حروب خاسرة مع
الهند وهندس إمداد المجاهدين ضد السوفييت بأسلحة روسية مصدرها إسرائيل (التي استولت
عليها إبان حروبها مع العرب) وتمويل سعودي ومساعدة المخابرات المصرية، والجيش
الباكستاني بقيادة الجنرال برويز مشرف لعب نفس دور ضياء الحق هو الذي دعم الطالبان
بعد إسقاطه الديمقراطية بدعم غربي حتى بعد سقوطهم، وهو اليوم يكتوي بنار التطرف
التي خلقها الجنرال ضياء الحق!!
الباكستان كانت إحدى الجبهات الهامة في الأحلاف الأمريكية
والاستعمارية في المنطقة ولا ننسى أنها كانت ركيزة أساسية مع إيران الشاهنشاهية في
تأسيس حلف بغداد والأحلاف المشابهة!!
والهدف الأمريكي الأساسي حالياً هو إبقاء سيطرة الجيش على
مقاليد الأمور في الباكستان مهما كلف الأمر، وهو ما اقتضى بضرورته التخلص من أكبر
تهديد للجنرال مشرف الذي ما زال يحتفظ بولاء الجيش له، هذا التهديد يتمثل ببوتو
بالدرجة الأولى، حتى وإن كانت على حساب المصالح البريطانية، فالحليف البريطاني إن
استطاع من خلال تحقيقاته ربط مقتل بيناظير بالمخابرات الأمريكية فإنه لن يستطيع فضح
الأمريكان فبريطانيا بحد ذاتها ليست بعيدة عن حالة عدم الاستقرار في تلك المنطقة،
وهي تعمل من خلال التأثير على مناطق نفوذها على استمرار اتقاد الخلافات بين الهند
وروسيا والصين في محاولة لمنع تشكل جبهة عالمية جديدة تشكل تهديداً لسيطرتها مع
الولايات المتحدة
هذا هو الدور الحقيقي لباكستان برويز إذن، فالمجتمع الباكستاني
ممزق إيديولوجياً وطائفياً وممزق قبلياً وأبعد ما يكون عن حالة التطور الاجتماعي
بالرغم من تطور دولته النسبي تكنولوجياً، فالتمويل الباكستاني هو تمويل خليجي
بالدرجة الأولى بمسمى إسلامي، تلك القنبلة النووية التي صنعتها الباكستان بتمويل
إسلامي هل هي حقاً للدفاع عن المسلمين في العالم، هل لا يزال العالم الإسلامي وفي
مقدمته الدول الخليجية المسلوبة باسم الإسلام تعتقد أن الباكستان قد تكون جبهة أو
حليفاً إسلامياً يوماً ما، أشك بذلك، فالأوضاع الداخلية الباكستانية في تأزم مستمر
فحتى وإن افترضنا وجود الرغبة الباكستانية بحلف إسلامي فإن الأفعال والسياسات
الإستراتيجية لأفغانستان تشكك بأي نوايا سلمية تجاه المسلمين والعرب
إلى متى سنبقى سليمي النية تجاه أمثال باكستان، أعتقد أن الحليف
الحقيقي هو دولة مثل الهند أو الصين، وأن علينا أن ننظر بمنظار المصالح المشتركة
سياسياً واقتصادياُ مع العملاق المستيقظ الجديد، فإن مستقبله سيكون أعظم وأكبر
شأناً من كل الدول التي تبحث عن ذاتها وهويتها في آسيا الوسطى، كالباكستان وتركيا!!