وفي خيمة منصوبة في الشارع
الرئيس في البلدة يعمل أكثر من ستين طفلاً وطفلة ، في ثلاث ورش فنية مختلفة، لتعلم
مبادىء فنون الرسم والنحت وتركيب الفسيفساء، بإشراف عدد من المدرسات ،والمدرسين
المتطوعين قدموا من عدة مناطق في سورية ، وتقوم حافلة خاصة بنقل الأطفال من البيوت
إلى المشغل الفني وبالعكس ، لكن الكثير من الأهالي فضلوا مرافقة أطفالهم في الذهاب
والاياب ومتابعة أعمال الورشة كما فعلت "هناء متري " أكثر من مرة ، وهي مدرسة لغة
فرنسية، وأم لثلاثة أطفال يشاركون في المشغل الفني للعام الثاني .
"عبير وردة " مدرسة الرسم قالت
" كان العدد المقرر للأطفال هو خمسون طفلاً وطفلة ، وهذا ما تحقق منذ اليوم الأول،
ولكن العدد في تصاعد يومياً ، فهنالك الكثير من الزوار ، والسواح يتوقفون لمشاهدة
عمل الأطفال في المشغل فتستهويهم الفكرة ، ويطلبوا مشاركة أطفالهم مع الأطفال
الآخرين ، وبعض هؤلاء إقامتهم قصيرة ، وشاركوا عدة أيام فقط "
وتضيف "وردة " وبالطبع فإن
الأطفال يشاركون بسعادة ، ويتركون بعد مغادرتهم بصمتهم الخاصة، التي تختلف بين طفل
وآخر حيث أن هنالك تنوعاً في الشرائح العمرية المشاركة ، فالورشة تستقبل الأطفال
بين سني 4 أعوام و 13 عاماً ، لكن المفاجأة لنا هي وجود عدد كبير من الأطفال
المميزين والموهوبين "
وسيختار المدرسون في نهاية
الملتقى أفضل الأعمال التي ينجزها الأطفال ، وستقدم جوائز لهم ، وسيقام معرض لأفضل
الأعمال ، وهذا ما لم يجري في العام الفائت .
في العام الماضي اقتصر التعلم
على فني الرسم ،والنحت ، لكن هذه السنة تمت إضافة تركيب الفسيفساء أيضاً،الأمر الذي
لاقى قبولاً من اطفال تفاعلوا مع هذا النوع من الفنون بسرعة كبيرة وأنجزوا لوحات
أدهشت مدرسيهم .
يقول "محمد داني " "عندما عرض
على الفنان فارس الحلو فكرة المشاركة لم أتردد في ترك أعمالي والحضور ، ومما زاد من
سعادتي هو وجود اطفال مميزين جداً التقطوا المبادئ الرئيسة للعمل ، وسرعان ما قدموا
أفكار جميلة ونفذوها بشكل جميل"
وتتنقل
السيدة "متري " بين الورش لمتابعة ما يقوم به أطفالها الثلاثة، فـ جوني، وهو
تلميذ في الصف الخامس اختار النحت ،وهو ينفذ اشكال متعددة بشكل يومي، و قال " هذه
هي السنة الثانية لي وأنا سعيد جداً أتي كل يوم وأصنع أشكالا عديدة ، أحاول أن أقلد
فيها تماثيل رأيتها ، أو أشكال أحبها ،أو التي تطلبها المدرسة مني ، أتمنى ان أصبح
فناناً ، وأشارك في الملتقيات "
وقالت والدة جوني " كانت
مفاجأتي به كبيرة عندما بدأ العمل بالطين فقد اكتشفت فيه حباً ، واندفاعاً شديداً
لهذا الفن، تاركاً كل الأشياء التي يحبها، ويمارسها باستمرار فهو مغرم بالحاسوب ،و
الملاهي بالأخص مع انتهاء العام الدراسي، ولكن الأمر اختلف الان ، فـ جوني يحضر
نفسه كل يوم بحماس للحضور ، رغم الحر ،وصنع أشكال جديدة من الطين "
أعمال بعض الأطفال كانت مدهشة
بأفكارها "جاك "ويبلغ من العمر خمس سنوات، صنع عدد من الأشكال الحيوانية ، بشكل
مقبول لكن المدهش في ما صنعه هو سلحفاة حاول فيها أن يعطي انطباعاً بأنها ميتة
ويجيب على سؤال سبب جعله رأس السلحفاة مائلاً" لقد لسعتها الأفعى التي خرجت من بين
الأهرامات التي صنعتها انا فماتت وأرخت يديها ورجليها ومال رأسها " وأضاف "
أولادها الصغار سيموتون أيضاً "
تقول "رهف خوري" المشرفة على
عمل الأطفال " في السنة الماضية حيث كانت التجربة الأولى لم يكن الطين متوافرا بشكل
كاف لكن الاقبال الذي حصل ، آنذاك بكل معانيه الجميلة جعل التنظيم هذه السنة أفضل
،والكميات الموجودة تكفي لعدد أكبر، ولا نخشى تضاعف عدد الاطفال "
ويعاني المدرسون ، والمدرسات من
بعض الصعوبات في التعامل مع الأطفال الأصغر سناً ، فبالرغم من مظاهر السعادة
الغامرة عليهم، فإن بعضهم يختلفون مع زملاء لهم ، وتظهر الحساسيات بينهم، لكن ذلك
لا يؤثر كثيراً على سير العمل ، وتتحول الحساسيات إلى منافسة فيما بينهم ، فباتوا
ينتقدون أعمال بعضم البعض ، ويقترحون إضافات وتعديلات على أعمال زملائهم .
التعلم عبر العمل وبهذا الجو
حرية جعل اقبال الأطفال على العمل كبيراً فما أن ينتهي الواحد منهم من إنجاز عمل ما
حتى يسارع إلى البدء بعمل آخر .
في ورشة الرسم تتنقل " يسرى
محمد" وهي مدرسة رسم وخريجة معهد ، وأم لأربعة أطفال بين مجموعتها مبدية بعض
الملاحظات التصويبية لعمل الأطفال " هذه مشاركتي في الملتقى تطوعية واساسها حبي
لعملي ، لدينا منهاج خاص نسير عليه في التعامل مع الأطفال من حيث المواضيع
والتقنيات ، نحاول أن نعطيهم مبادىء أولية "
وجسدت
بعض الموضوعات التي كلف بها الأطفال حقوق الطفل، وهي - حق الرعاية الصحية، - الحق
في غذاء متوازن وكافٍ، - الحق في ارتياد المكتبات العامة، - حق انتقاء الثياب، - حق
ارتياد المنتزهات والملاعب، - الحق في التعليم.
في الجهة الأخرى من الخيمة ،
يتوزع ما يزيد عن 30 طفلاً وطفلة ، على عدد من الطاولات و يشكلون الطين بأصابعهم
الغضة محاولين صناعة بورتريهات بسيطة ، يتحلق بعضهم حول المدرسة "عبير وردة "
يتكلمون في الوقت نفسه متقربين منها طالبين إبداء الرأي بما يفعلونه ، تقول "وردة
" " أنا لا أتدخل في عملهم بل أطرح الموضوع عليهم وأحرض ذاكرتهم وخيالهم فقط "
الطريف في الأمر هو تشكيل
بورتريهات لا تخلو من حس كاريكاتيري ، النحت لاقى إقبالاً أكبر من قبل الأطفال
الذين كانت عيونهم شاخصة باتجاه موقع الملتقى ، حيث يعتقد بعض الأطفال أنه بعد فترة
قصيرة سيتم نقلهم إليه للعمل مع النحاتين في نحت الرخام الذي أحضر من مقلع مايكل
أنجلو الأفضل في العالم.
الأهالي ممتنون لـ " فارس "
الذي نجح في زرع بذرة فن أصيل في سورية مرة أخرى في مشتى الحلو و في قلوب الأطفال
تحديداً ، ذلك المصيف الجميل الذي تحيط به المواقع الأثرية التي تحفل بمنحوتات
أنجزها أجدادهم.
غيداء وسوف - سيريانيوز